• مرصد البرلمان الاردني
  • مركز القدس للدراسات السياسية
  • شبكة الاصلاح
الصراع العربي الإسرائيلي لا الحروب الصغيرة...!
التاريخ : 10/01/2010 | المصدر : مرصد الاعلام الاردني

في خضم حرب تموز كان صديقي الشيعي العلماني وابن الجنوب يقول:"هذه القرى التي تحتضن حزب الله اليوم هي ذاتها التي استقبلت الجيش الإسرائيلي عام 82 برشات الرز ترحيبا". بدا محبطا مما اعتبره مكابرة وادعاءات في تفاني الناس دفاعا عن المقاومة، ولم يكن يصدق –من زاوية إنسانية– مقولة من فقد أسرته "فدى السيد!" كنت وأنا القادم من بعيد أصدق تلك العبارات العفوية التي يقولها الصغير والكبير والدماء ماتزال ساخنة والدخان متصاعدا.

ليس سرا أن تلك القرى رحبت بالإسرائيليين، وليس سرا أن جيش العميل لحد اعتمد على الشيعة والموارنة بشكل أساسي. لكن ما فعله حزب الله أنه نقل الشيعي من المعركة الصغيرة ضد الماروني أو الفلسطيني أو السني إلى المعركة الكبرى ضد إسرائيل. وفي المعركة الكبرى ضد العدو الخارجي التي قدم فيها الأعز والأغلى من خيرة الرجال حصل المكاسب السياسية والاقتصادية من "أعدائه" الداخليين. وبذلك شعر الشيعي أنه كسب مرتين، شرف مقاومة العدو الأول لأمة العرب والإسلام، ورفع المستوى المعيشي والسياسي مقابل الطوائف الأخرى. التي ظل تاريخيا مهمشا أمامها.

بصراحة لا تقل عن صراحة العلماني قال لي أحد قيادات حزب الله "قبل حزب الله كان ماسحو الأحذية في بيروت حصرا من الطائفة الشيعية"! أعطى الحزب لأبناء طائفته ما يبحث عنه كل إنسان عربي؛ الكرامة والمصالح المعيشية. فلم يكن الشيعة يفخرون بأنهم هزموا إسرائيل فقط، وإنما مكنهم حزب الله من الحصول على مستوى خدمات تعليمية وصحية وتنموية عجزت عنها الدولة اللبنانية منذ الاستقلال. ولم يكن يعيب هذا النجاح الذي عجزت عنه الدول العربية إلا أنه ظل محصورا بالطائفة. ومع أن حزب الله كسب قلوب العرب والمسلمين وأكثريتهم الساحقة من السنة في صراعه مع إسرائيل إلا أنه لم يستطع أن يكسب قلوب السنة في بيروت. ناهيك عن المسيحيين.

يحسن بالذين ينكرون وجود "الصراع العربي الإسرائيلي" في الأردن أن يقرؤوا تجربة حزب الله. فاللبنانيون الذين ذاقوا المرار من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية واستقبلوا الجيش الإسرائيلي برشات الأرز هم أنفسهم من جرعوا الإسرائيلي المرار وأذلوه وأجبروه على الانسحاب في عامي 2000 و2007 وشعارهم ليس "شبعا" بل "يا قدس إنا عائدون". بكامل قواهم العقلية اقتنعوا أنهم جزء من الصراع العربي الإسرائيلي بوصفهم عربا ومسلمين وجنبوبيين وشيعة. وكان الأسهل عليهم أن ينكصوا إلى غرائزهم: نحن طائفة مظلومة من العرب والمسلمين تاريخيا ولا حل لنا إلا بالتحالف مع عدوهم، وهو المتفوق جيشا واقتصادا ودولة ونظاما..

لم ينته الصراع العربي الإسرائيلي بمعاهدة وادي عربة. والأردن فوق أنه "جزء من الأمة العربية" كما ينص الدستور مايزال اللاجئون والنازحون يشكلون –بعد فك الارتباط- زهاء نصف سكانه. ولم يكتف العدو بحرمانهم من حقهم في العودة إلى وطنهم المحتل بل بوقاحة يشاركه في ذلك بعض حلفائه الأميركيين وعملائه المحليين، يريد تحويلهم إلى "لغم ديموغرافي". وبدلا من الارتجاف أمام هذه الوقاحة وإطلاق العنان للغرائز العنصرية التي تخوف من "الخطر الفلسطيني الساعي إلى الخيار الأردني" يفضل التماسك ورمي القنبلة إلى حضن الخصم. فالديموغرافيا الفلسطينية هي تهديد لدولة الاحتلال التي اغتصبت الأرض لا لدولة الضيافة التي منحت الأرض للمشردين. وبمواجهة "الخيار الأردني" يُرفع شعار "يا قدس إنا عائدون".

يتوحد الناس في المعارك الكبرى، خير من أن يتحاربوا طائفيا وإثنيا في حروب صغيرة تهلك الحرث والنسل. وهذه المعارك ليست ترفا وهروبا من الواقع بل هي مفروضة لأن العدو لم يتنازل سلما. وكما أن من الشائع القول: ما لنا وللصراع العربي الإسرائيلي – حتى في داخل فلسطين وعلى لسان قادة السلطة– فمن المشروع القول: لنا في الصراع العربي الإسرائيلي. وكما يأتي الأثيوبي والروسي والأميركي.. مقاتلا في معارك إسرائيل لأنه يهودي سيأتي يوم يأتي فيه المغربي والإيراني والتركي و.. للقتال دفاعا عن إخوة الدم والدين الذين يسامون سوء العذاب.

إنه الصراع العربي الإسرائيلي الذي يشرف كل من يخوضه. ليس توسعا ولا عدوانا. فالجوعى والجرحى في غزة والضفة هم إخوة لهم حق النصرة. وما يخزي ولا يشرف هو الارتجاف أمام المعتدين وإنكار الصراع معهم. حتى من يريد أن يسالم ويعقد صفقة، حتى لو صفقة تجارية، عليه أن يتحلى بالحد الأدنى من الشجاعة. وإلا حصل على أبخس الصفقات وفرط بأغلى الحقوق.

وليست المشكلة فيمن يخوضون الصراع، فلم يصدر عنهم مطالب بوقف التفاوض لمن يريد أن يتفاوض، بل في من يخوضون المفاوضات وينكرون حق المقاومة. فاوض الأردن ووقع معاهدة السلام والمكتب السياسي لحماس مقيم في عمان، وسورية كادت توقع ومن على أرضها يمر سلاح حزب الله. وفي فلسطين ظل عباس يفاوض في ظل حكومة حماس والوحدة الوطنية من بعد.

فشل مشروعا المقاومة في لبنان وفلسطين وتحولا إلى حروب أهلية؟ ليس بعد. فالمقاومة لم تحول سلاحها للداخل علوا وفسادا في الأرض بل على العكس نصبت لها فخاخ وتحرش بها لحرف اتجاه بنادقها. لكنها ماضية في مشروعها المقاوم، وما حصل من صراع داخلي صغير كان اضطرارا لا خيارا.
فشل مشروع التسوية؟ بات مرجحا حتى في نظر عرَابيه. والثابت الوحيد هو "عملية" التسوية التي لا تصم ماكنتها الآذان على مدار الساعة دون أن يرى لها إنتاج. ولم يعد يخفي قادة الاعتدال شعورهم بالإحباط والخذلان. وهم مع ذلك مصرون على المضي في التفاوض لأجل التفاوض حفاظا على أرزاق العاملين في مصنع التسوية.

سيدفع الإسرائيليون ومن حالفهم من أميركيين وأوروبيين باتجاه تسعير الصراع بين الفاشلين مقاومة ومسالمة وصولا إلى حروب أهلية كما حدث في غزة وبيروت. ولا يرد على هذه المخططات بالانسياق فيها، وإنما بتوحد الفاشلين تحت عنوان جامع: الصراع العربي الإسرائيلي. والتلاقي على عنوان كهذا لا يعطل مسار الإصلاح السياسي وبناء الدولة الحديثة. فأكثر ما أساء للصراع استخدامه للاستئثار بالسلطة والثروة ومنع الناس من ممارسة حياتهم الطبيعية.

لقد أجرى الفلسطينيون واللبنانيون أكثر الانتخابات العربية نزاهة ولديهم أعلى سقف تعبير في العالم العربي وهم الأكثر انخراطا في الصراع. ولم تعطل الدساتير وتعلن الطوارئ في المقابل مايزال الدستور معطلا في سورية ومصر مع أنهما لم تطلقا رصاصة منذ حرب تشرين.

إنه الصراع العربي الإسرائيلي رآه بوش وهو يحتفل بالمعتدين في ذكرى نكبتنا أم تعامى عنه. لا حل للصراع إلا بالاعتراف بوجوده أما إنكاره فسيفاقمه وينقله بعيدا. وما أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلا بعض نتائج الإنكار والتعامي. قد يصدق أن بوش مضلل ولا يدري، ولكن كيف يفسر إقدام الرئيس حسني مبارك على تهنئة بيريز في ذكرى النكبة وهو من شارك في حرب تشرين؟ هل هو-في عيد الميلاد الثمانين- انجرار للحروب الصغيرة في مواجهة حماس خارجا والإخوان داخلا؟
بعض القرى التي نثرت الأرز على رؤوس الجيش الإسرائيلي فرحا بمعارك صغيرة أمطرت الإسرائيلين بزخات الصواريخ في حرب تموز، وقدمت عزيز النفوس في الصراع الكبير.
 

تعليقات القراء
لا يوحد تعليقات , كن اول المعلقين على هذة الصفحة
أضف تعليقك
الاسم
الإيميل *
الموضوع *
التعليق *

ادخل الرمز الذي في الصورة